Associated News Agency
الثلاثاء 21 تشرين الثاني 2017

حقيبة الإتحاد

1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 |

نوستالجيا تقدميّة إشتراكية

محمد سلام، الأربعاء 9 تموز 2014

تمايز الحزب التقدمي الإشتراكي في موقفه من مسألة تفرّغ أساتذة الجامعة اللبنانية بأنه تمسك بالمبدأ، أي بالمستوى الأكاديمي، ورفض المصلحة، أي اللهاث وراء العدد: التفرغ لمستحقه وفق المعايير الأكاديمية ... ونقطة نهائية لا سطر بعدها.

 قرأت تصريح المكلف من الحزب التقدمي الاشتراكي متابعة ملف الجامعة اللبنانية الأستاذ وليد صافي لـصحيفة اللواء الذي شدد على أن "الحزب الاشتراكي لا يطالب بحصة وما من مطالب لديه سوى إبعاد الملف عن التسييس والمذهبية، مشدداً على أهمية تعيين الأشخاص الذين يستوفون الشروط المطلوبة." لافتاً إلى أن العدد المطلوب تفرّغه (أو تفريغه) رُفع " من 730 اسماً إلى 1160  من دون أي اهتمام بالمعايير الاكاديمية."

 أعادني تصريح صافي 44 عاماً في التاريخ، إلى العام 1970 وكنا نناقش في مفوّضية الطلبة والرياضة والشباب بالحزب التقدمي الإشتراكي البيان السياسي لمشاركتنا في إنتخابات الإتحاد الوطني لطلبة الجامعة اللبنانية في السنة الأولى من عمره، إذ ما كان قبله إتحاد للطلبة، بل روابط كليات.

 إقترح أحد الرفاق أن نضمّن مشروعنا السياسي الإنتخابي بنداً يطالب بالسماح لحملة شهادتي التوجيهية المصرية والموحدة السورية بالإلتحاق بجميع كليات الجامعة اللبنانية، إذ لم يكن يسمح لهم بالإنتساب إلى كلية الحقوق وكليات العلوم.

 تدخل مفوّض الطلبة والرياضة والشباب الرفيق نزيه يمين مسجلاً إعتراضه على الفكرة وقال بالحرف: "يا رفيق، نحنا حزب نخبوي. نحنا مع المستوى. نحنا مع المحافظة على مستوى الشهادة اللبنانية."

 كنت من حملة شهادة البكالوريا اللبنانية-القسم الثاني-فرع الفلسفة، ومسجلاً في كليتي الحقوق والإعلام بالجامعة اللبنانية، وكنت أفاخر بشهادتي في زمن كان يقال فيه "ما بينجح بالبكالوريا إلا كل طويل عمر"، في زمن ما كان النجاح، كما هو اليوم، "بالكونتينر."

 تدخلت في النقاش وقلت للرفيق نزيه يمين، أطال الله عمره وأمده بالصحة والعافية، :"بالمبدأ كلامك صحيح رفيق نزيه، ولكن هذا الموقف سيؤدي إلى تدني شعبيتنا في الإنتخابات. الحزب الشيوعي (إتحاد الشباب الديقراطي) مثل الغول، عنده ميزانية دولة، ويؤيد المعادلات، وهذا يكسبه شعبية. الناصريون أيضاً يؤيدون المعادلات، والبعثيون، وكل اليسار، كيف سنفوز؟"

 قال الرفيق نزيه: "نحنا يا رفيق محمد لا نتبنى المصلحة على حساب المبدأ. نحن نخبويون. المبدأ هو الحفاظ على المستوى التعليمي وعلى سمعة الشهادة اللبنانية. لن يسجل علينا التاريخ أننا (جلجقنا) العلم."

 وكيف نفوز في الإنتخابات؟ سألت.

 "الإنتخابات تفصيل. نتائجها تفصيل. المبدأ هو الأساس، هو الباقي، هو الذي نعتز بالتمسك به. نحنا مع المستوى."

 معه حق الرفيق نزيه. كان الحزب مع المستوى ... وما زال، وفق ما أوضحه الأستاذ صافي.

 أصبت في التشخيص. خسرنا الإنتخابات الطالبية. لم يفز من الحزب التقدمي الإشتراكي في كل كليات الجامعة اللبنانية إلا الداعي لكم بطول العمر محمد سلام. فازت حركة الوعي وانتُخب الزميل عصام خليفة (الدكتور لاحقاً) رئيساً للّجنة التنفيذية للإتحاد الوطني للجامعة اللبنانية.

 بعد سنة، أعاد الرفيق أنور الفطايري صيغة التحالف. ولدت الحركة الوطنية اللبنانية من تحالف اليسار الوطني (التقدمي الإشتراكي) مع اليسار القومي (البعثي بجناحيه والسوري القومي) والأممي (الحزب الشيوعي ومنظمة العمل الشيوعي) وفاز اليسار بالإنتخابات، وانتُخب أنور رحمه الله رئيسا للّجنة التنفيذية وانتخبت أنا أميناً للشؤون المالية في اللجنة.

 ولدى زيارتنا المعلم كمال جنبلاط لتقديم أعضاء اللجنة التنفيذية له، قال له الرفيق أنور عني: "نقيناه ناصح وشبعان وسلمناه المالية حتى ما يسرق."

 تبسّم المعلم بهدوئه ورد: "ما عنا حزبيين بيسرقوا، بغض النظر عن أحجامهم، وما عنا حزبيين جوعانين بغض النظر عن إمكاناتهم."

 رحم الله ذلك الزمن. رحم الله ذلك الزمن.

 بعد أربعة أشهر إستقلت من اللجنة التنفيذية للإتحاد الوطني لطلبة الجامعة اللبنانية لأن "مصلحة اليسارات" إبتلعت مبدئية النخبة الوطنية التقدمية الإشتراكية. عملت بما علمني إياه كمال جنبلاط، تبعت صوت ضميري ...

 إنجاز نخبوي حققته وأفتخر به مع أنه أدى إلي هزيمتي في الإنتخابات الطالبية بعد سنة. كنت عضواً مشاركاً، ممثلاً لفرع الطلبة، في مجلس كلية الإعلام، واقترعت مع العميد الدكتور الشيخ خليل الجميل رحمه الله على فرض إمتحان الدخول شرطاً للإنتساب إلى الكلية "حفاظاً على المستوى" كما علّمني نزيه يميّن، إبن بلدة دير القمر الذي كان يداوم على قدّاس الأحد في كنيستها، مفاخراً بزر الحزب التقدمي الإشتراكي على صدره.

 ومن مدرسة النخبة أيضاً أذكر موقف الدكتور ميشال عاصي رحمه الله –بالمناسبة هو أيضاً بدأ حياته تقدمياً إشتراكيا وتولى بعد نضال رئاسة الجامعة اللبنانية- عندما كنا ندرس ملف التفرّغ في كلية الإعلام. قال يومها: "لا نريد أساتذة فارغين، بل نريد أكاديميين حقيقيين متفرغين."

وهذا ما قاله اليوم الأستاذ وليد صافي.

 يومها قال العميد الجميّل رحمه الله، وكان رئيساً لتحرير إحدى أكبر الصحف اللبنانية الصادرة بالفرنسية، "يا إبني يا محمد، ما تقبلوا تفرّغ الأساتذة المهنيين. من لا يعمل في الصحافة لا يستطيع تعليم الصحافة. فرغوا أكاديميين لتعليم المواد النظرية، بس المهنة بدها مهنيين." وهكذا قررنا ... يومها.

 يومها، يومها، يوم كانت النخب نخباً، ويوم كان الإنتساب للمبدأ، لا المصلحة، شرفاً. يوم كانت المصلحة أداة، والمبدأ أساس. اليوم صارت "القاعدة" معكوسة.

 الحرب الأهلية قضت على النخب. هذه حقيقة نعرفها جميعاً.

 لذلك، أوجه تحية إلى أي تنظيم سياسي يجعل من إستعادة نخبويته عنواناً لعمله ... بعدها تصاغ العقائد، حتى عقيدة السوق، على أسس متينة، سليمة، ناجعة.  

 تحية إجلال وإكبار وإحترام إلى كل من علّمني التمسك بالمبدأ ورفض الرهان على المصلحة، من رحل منهم، ومن أكرمه الله بالصحة والعمر المديد، وأكرمنا بأن أبقاه بيننا ... كي نتعلم منه.



(صفحة كلام سلام)